رئيس التحرير
عصام كامل

السيدة نفيسة

يوم إجراء انتخابات مجلس الشعب في أواخر العام 1990، كنت ضمن فريق من الصحفيين المرافقين لوزير الداخلية اللواء محمد عبد الحليم موسي خلال جولته لتفقد عمليات التصويت في عدد من لجان الانتخاب في القاهرة والجيزة والقليوبية (إقليم القاهرة الكبري).


مرت الجولة في القاهرة والجيزة، حيث تفقد الوزير لجنتي تصويت في شارع نوبار وميدان سيمون بوليفار، وعقد مؤتمرا صحفيا بحديقة قسم شرطة الدقي بالجيزة.


وغادرنا المكان، قاصدين -بحسب برنامج الجولة- مقر اللجنة الانتخابية المنعقدة داخل قسم شرطة شبرا الخيمة اول.. كان الباص الذي يقل الصحفيين ومصوري الصحف والتلفزيون المصري (حينها لم يكن هناك فضائيات)، كان الباص يسير في المقدمة وكان يسبق سيارة وزير الداخلية، كان الهدف هو اتاحة الفرصة للصحفيين والمصورين الوصول قبل الوزير بوقت كاف لتيسير التقاط صور وصوله ونشاطه خلال الجولة.
 

وفجأة.. وقبل وصولنا للمكان ببضع كيلو مترات قليلة، حيث كنا نسير بالقرب من مستشفي معهد ناصر علي كورنيش النيل بالقرب من منطقة روض الفرج، فوجئنا بسائق الباص يغير اتجاه السير ليعود في اتجاه وسط القاهرة، وفشلت كل محاولات الصحفيين لبيان السبب!

مسجد السيدة نفيسة 

اخترقنا طريق الكورنيش حتي اقتربنا من ميدان عبد المنعم رياض، حينها قلت لنفسي، ربما وقع حادث عنف أو ما شابه، استدعي عودة وزير الداخلية لمقر الوزارة للمتابعة أو لقاء مساعديه، ولكن سرعان ما تبددت ظنوني، فقد تجاوز الباص وسيارات الوزير من خلفه الشارع المؤدي لمبني وزارة الداخلية.. 

قلت لنفسي ربما يتوجه الوزير إلي مقر رئاسة مجلس الوزراء للقاء رئيس الوزراء، وتبددت هذه الظنون أيضا، فقد اخترق الموكب شارع كورنيش النيل إلي أن إنحرف السائق يسارا بمحازاة سور مجري العيون -بمنطقة مصر القديمة-، ثم إنحرف يسارا من آخر الشارع وواصل سيره إلي أن توقف أمام مسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها.


حينها وصل الوزير المكان ونزل من سيارته أمام الباب الرئيسي للمسجد وكنا قد سبقناه بلحظات في الوصول، وتصادف إني كنت بجوار الوزير، الذي إنحني ليخلع حذائه قبل دخوله إلي المسجد، وكان بجواري اللواء عبد المنعم معوض -مدير ادارة الاعلام بوزارة الداخلية فيما بعد-.. هنا سمعنا صوت ينبعث من خلفنا موجها كلامه للوزير: خد.. خد.. 


استدار الوزير تجاه مصدر الصوت، وكان لرجل تجاوز السبعين من العمر أو يزيد وكان جالسا علي أرضية مدخل المسجد وكان رقيق الحال ويرتدي جلبابا متواضعا، هرع الوزير تجاه الرجل وانحني ليقترب منه في جلسته وقال: خير يا حاج تحت أمرك؟
 

قال الرجل بكل ثبات وثقة: أنا كنت جاي للست (يقصد السيدة نفيسة)، كنت جاي للست عشان تجيبك، إنما طالما إنت جيت تعالي بقي.. ومد الرجل يده داخل جيب جلبابه واخرج ورقة وسلمها الوزير، الذي سارع بفتحها ليقرأها، وفوجيء الوزير -وأنا أتابع عن قرب- ان الورقة كانت تحوي طلبا موجها له شخصيا.. استهلها الرجل بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم.. السيد اللواء محمد عبد الحليم موسي وزير الداخلية.. الخ".. 


وكانت الورقة في باقي تفاصيلها تحوي التماسا من الرجل الكهل لوزير الداخلية لمعاونته في ايجاد فرصة عمل لإبنه الحاصل علي دبلوم المدارس التجارية، فما كان من الوزير بعد أن أنهي قراءة الورقة إلا أن قام بتقبيل يد الرجل، وظل يكرر: حاضر حاضر.. تحت أمرك يا حاج، ربنا يعمل اللي فيه الخير.
 

وحاول أحد المرافقين للوزير أن يأخذ الورقة ولكن الوزير رفض ووضعها في جيبه.. ودخلنا إلي باحة المسجد وأدينا ركعتي تحية للمسجد -فالوقت لم يكن أوان لأي صلاة-.. وبينما كنا نغادر المكان وكنت لا أزال مستغربا مما حدث.. إقتربت من الوزير وسألته: هو سيادتك الراجل ده -أقصد الكهل- كان عارف إن سيادتك هاتيجي هنا دلوقتي.

 


رد الوزير بإبتسامة عريضة: والله ولا أنا عارف إني كنت هاجي هنا! قلت وقد زاد استغرابي: امال ايه يا فندم. رد الوزير وقد زادت ابتسامته وقال: أصل إنت ما تعرفش يابو صلاح.. السيدة نفيسة دي ست جامدة أوي! ومن بعد هذه الواقعة تكررت وقائع أخري مع السيدة نفيسة رضي الله عنها.

الجريدة الرسمية