رئيس التحرير
عصام كامل

نيرة صلاح وحلمي بكر!

وما العلاقة بين نيرة صلاح والملحن الراحل حلمي بكر؟ سؤال افتراضي استنكاري قد يتبادر إلى ذهن من يطالع عنوان هذا المقال! وأسارع بالرد وبإجابة حقيقية وليست افتراضية وأقول هناك علاقة قوية بين حادث وفاة الفتاة الجامعية نيرة صلاح وبين تداعيات رحيل الملحن الكبير حلمي بكر.. 

 

وبصرف النظر عن التداخلات والأشخاص الوراد ذكرهم في كل حدث ورواية كل منهم والتفاصيل المحيطة بكل حدث، أقول بشكل محدد أن الحدثين يكشفان وبوضوح أن صدعا مجتمعيا عميقا تتزايد رقعته يوما بعد يوم، ويكشفان أيضا أن هناك حالة غياب وتغييب يستمسك بها المجتمع كله بمختلف فئاته.


الملحن الكبير حلمي بكر.. ربما هو آخر رموز زمن الطرب الذى سطع في سماءه أسماء لا تعد ولا تحصي من نجوم الفن والغناء والموسيقى والغناء، الذين كان أغلبهم يشكلون أدوات تأثير إيجابية لتوجيه الرأي العام، وكان البعض منهم وربما أغلبهم أصحاب حظوة ونفوذ وتأثير يصل إلى دوائر وقصور الحكم في غالبية الدول العربية.


فغالبيتنا يذكر، وبصرف النظر عن أي خلاف حول تقييم هذه التجربة، تأثير كل من صلاح جاهين وعبد الحليم حافظ وعبد الرحمن الأبنودي ومحمد الموجي وكمال الطويل وغيرهم، على الناس خلال الحقبة الناصرية.


والكثير منا يذكر كذلك تلك الجهود الجبارة التي بذلتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم في جولاتها المكوكية الغنائية، التي زارت خلالها أغلب العواصم العربية لجمع ما تستطيع من أموال من تلك الحفلات الغنائية لتقدمها للدولة عن طيب خاطر، لدعم المجهود الحربي.


بين أولئك وهؤلاء، ظهر الملحن الموهوب الفنان حلمي بكر وشاء قدره أن يرتبط أداؤه الفني بالعديد من رموز ذلك الزمان بينما كان في مقتبل العمر، وشاء قدره أيضا أن يرحل رموز هذا الزمان واحدا بعد الأخر، ويرحل معهم سمات الفن والإبداع الذى كان يميزهم.. 

زمن السوشيال ميديا

ومع تغول العولمة وسيطرة التسطيح والتفاهة بات حلمي بكر وحيدا، يواجه هجوم إفساد الذوق العام، الذى سانده الإعلام بطرق شتي على مدي العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، ومع حُرقة دفاع حلمي بكر عن زمن الفن الجميل، تعمد الإعلام أن يحول استضافاته وتعليقاته إلى فقرة كوميديا سوداء، وبقصد أو دون قصد، وتسبب الإعلام كذلك في تحقيق الشهرة والإنتشار لظواهر غنائية وفنية خاوبة من أي مضمون ولا تتبع أي منطق فني أو علمي سليم.


وأصبح حلمي بكر وحيدا يواجه طواحين الهواء وسط إصرار من الإعلام علي تقديمه في صورة نالت كثيرا منه ومن زمنه ومن رموز ذلك الزمان.. وشيئا فشيئا تحول اهتمام الاعلام بالحياة الخاصة لحلمي بكر وزيجاته وخلافاته الشخصية، واندثر تماما الكلام عن قيمته الفنية وقيمة الزمن الذى عاشه والتراث الذى سجله في الذاكرة الفنية لهذا الوطن.. 

 

وإنتهت حياة حلمي بكر بهذه التغطية الإعلامية السخيفة لتطورات نزاع عائلي أي كان المحق فيه، دون اهتمام من أية جهة رسمية أو غير رسمية بوقف هذه المهزلة الإعلامية والانتصار لقيمة الفن الذى كان!


الحدث الثاني، وهو وفاة طالبة الطب البيطري نيرة صلاح في ظروف ملتبسة، ولا أعلق علي أية وقائع تناولتها وسائل الإعلام حول هذا الحدث احتراما وتقديرا للنيابة العامة ومساعيها للوصول إلى الحقيقة، ولكن تناولي لهذا الحدث من زاوية الإشارة إلى كيف تسير العلاقات الاجتماعية داخل التجمعات الشبابية في عصر الواتس اب والسويشيل ميديا.


يا جماعة الخير.. لقد استسلمنا جميعا لأحكام زمن العولمة في إدارة العلاقات الشخصية وخاصة بين الشباب.. استسلمنا إلى ضوابط العالم الافتراضي الخالي من أية مشاعر ومن أية محاذير تتطلبها قيم وتقاليد مجتمع محافظ إلى حد كبير، وتحكمه قواعد الحرام والعيب واحترام الكبير.. 

 

استسلمنا للانخراط في مساعي جلب الدخل المالي لتدبير الاحتياجات الحياتية لأولادنا.. استسلمنا لنظرية تسديد الخانات، وتجاهلنا المعضلة العويصة التي تعترض العلاقة السوية بين المعلمين والتلاميذ في مختلف مراحل التعليم..

 

فالمعلم من المرحلة الابتدائية حتي الجامعية، لا يكفيه دخل مهنته لتلبية احتياجاته الحياتية بكرامة، فيسعي بكل ما يستطيع الى إضافة دخل جديد وايا كانت هذه الوسيلة، فإنها بالأساس تستغرق المعلم، أينما كان، بعيدا عن متابعة تلاميذه وبيان مدي التزامهم الاخلاقي قبل العلمي.

 


يا جماعة الخير.. الشكوك حول وفاة طالبة الطب البيطري نيرة، تولدت بعدما تم دفنها، وعندما تصادف أن قام بعض افراد اسرتها بالتقليب في هاتفها المحمول ليكتشفوا وقائع ومراسلات بينها وبين أخرين قد تسفر عن اكتشاف جريمة.
يا جماعة الخير.. أكرر أن صدعا مجتمعيا عميقا تتزايد رقعته يوما بعد يوم، وحالة غياب وتغييب يستمسك بها المجتمع كله بمختلف فئاته!

الجريدة الرسمية