رئيس التحرير
عصام كامل

ليلة رحيل الرجل الكبير

عودة إلى الوراء قليلا.. يقف الإعلامى على منصة داخل قاعة اجتمع فيها عدد كبير من الشخصيات العامة، ورجال الأعمال والمال وعلماء مصريين كبار جاءوا لحضور احتفالية الإعلان عن إنشاء جامعة زويل.. يردد الإعلامى أسماء من تبرعوا لهذا الصرح المصرى العظيم.


فلان الفلانى تبرع بـ 30 مليون جنيه.. فلان الفلانى تبرع بـ 25 مليون جنيه.. فلان الفلانى 15 مليون جنيه.. فى كل مرة يعلن الإعلامى اسما من أسماء رجال الأعمال المعروفين على الساحة إلى أن تلعثم الإعلامى وهو يقرأ عن الرقم الذى تبرع بها واحد من رجالات مصر العظام.. 250 مليون جنيه.


فى آخر القاعة يقف المتبرع.. رجل تجاوز من سنوات العمر الكثير.. هالة من الوقار تكسو وجهه.. يقف بتواضع بين الناس، وفى آخر الصفوف، ولم يكن المتبرع إلا واحدا من أبناء مصر ابتنى له فى الحياة دارا من الخير والعطاء دون أن يصنع حوله جلبة من الدعاية والبروباجاندا.


إنه الدكتور حسن عباس حلمى الذى وهبه الله حياة امتدت من العام 1934م حتى غادرها إلى خالقه منذ أيام، بعد أن ناضل وجاهد فى دروب العلم والعمل سنوات طوال بدأت منذ تخرجه فى كلية الصيدلة عام 1956م ولم تتوقف إلا عندما توقف نبضه وصعد إلى حيث أراد له الله.


والدكتور حسن عباس حلمى واحد من الذين بدأوا الحياة العملية من حيث يبدأ العامة من أهل مصر الكرام، فبدأ بصيدلية بعد تخرجه ثم عمل بعدد من شركات الأدوية، ولم ينشغل بالعمل عن العلم، وظل طوال مسيرته مواطنا مصريا مخلصا لبلده، فكان له مكان بين قلوب الناس.

رحلة عطاء


أنشأ الدكتور حسن عباس حلمى شركة فاركو للأدوية بعد بدايات الثمانينيات حتى صارت واحدة من قلاع صناعة الدواء ليس فى مصر فقط، بل فى محيطنا الإقليمى والدولي، ومع تنامى قلعته الصناعية فى مجال الدواء ظل الرجل من الناس وإلى الناس وفيهم.. لم يغادرهم ولم يتجاهل حقوقهم فى ماله وعلمه وكل ما جناه من ثمار.


المتابع لمسيرة واحد من أهم رجالات الصناعة يدرك أنه جهز نفسه لآخرته مؤمنا بأن المال مال الله، وأنه مستخلف فيه، فآثر أن يعمل فى محيطه الإنسانى بما يليق بعطاء المولى له فأنشأ مؤسسة خيرية تسع بخيرها آلاف الأسر المصرية التى عاشت ولا تزال تعيش فى كنفها ومن خيرها.


اهتم الرجل بآلاف الطلاب من غير القادرين فى مدارسهم وجامعاتهم فكانت مؤسسته ولا تزال ترعى آلافا منهم؛ إيمانا منه بدور رأس المال الاجتماعى والأخلاقى والعلمى إضافة إلى تخصيص مرتبات شهرية لعشرين ألف أسرة من أهلنا فى ربوع مصر.


ولم يتوقف عمل المؤسسة على هذا فقط، وامتدت أعمالها إلى إنشاء دار للطعام على مدار العام لمستحقيها، مع توزيع وجبات ساخنة للمحتاجين على مدار العام وتوزيع شنط رمضان لأكثر من عشرين ألف أسرة من الفئات المسجلة فى بيانات المؤسسة مع إضافة كل من يستحق دون تقيد بأعداد معينة.


وأنشأ الدكتور حسن عباس حلمى مستوصفا طبيا عالى المستوى لعلاج غير القادرين بأجور رمزية ووفر المساكن لفئات ضاقت بها الحياة، وضيقت عليها الظروف الصعبة التى تزداد صعوبة يوما بعد يوم، مع توزيع مواد غذائية جافة لعدد كبير من الأسر المصرية.


ولم يتوقف عمل مؤسسة الدكتور حسن عباس حلمى عند حد المساعدات الإنسانية والغذائية فقط، فقد كان الرجل مهتما بالعلم والعلماء فتبنى عددا من المشروعات الداعمة لجامعات مصرية، وكان يرى أنه حظى بتعليم مجانى وأن ما يقدمه ليس إلا ردا للجميل وحقا من حقوق دور العلم عليه أن يوفى بها.


قطعنا الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية حيث يقام عزاء الرجل الكبير.. كبير بما قدم وما آمن به طوال حياته وما ابتناه فى دنياه نافعا به الناس والوطن.. كان العزاء تجمعا لبشر من علية القوم ومن بسطاء اجتمعوا عليه حيا وراحلا.. كانت الحكايات بين الحضور كلها عن رجل جاء إلى الحياة فأدرك قيمتها وعمل لآخرته.. اللهم ارحم رجالا كانوا بيننا وتركوا فينا وبيننا من أعمالهم ما يجعلنا نؤمن أن العمل الصالح حياة أخرى.

الجريدة الرسمية