رئيس التحرير
عصام كامل

انتفاضة دينية ضد الألعاب الإلكترونية.. "الأزهر" و"الإفتاء" للآباء: "كلكم راعٍ"

لم تقف المؤسسات الدينية مكتوفة الأيدي أمام تلك الظاهرة التي تعاظمت بالتزامن مع الثورة التكنولوجية الهائلة والتدفق السريع والغير منضبط من التطبيقات والألعاب الحديثة، فبادر الأزهر الشريف في أكثر من مناسبة على بيان الحكم والضوابط الشرعية لممارسة هذه الألعاب، كما أهاب بأولياء الأمور بضرورة التحلي بالمسؤولية تجاه أودهم، مقدمًا بعض النصائح التي تعين أولياء الأمور على زيادة الاحتياط في معاملتهم مع أبنائهم.


من جانبه أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن شريعة الإسلام لم تتوقف لحظة عن دعم كل خير نافع، والتحذير من كل شر ضار في مختلف الأزمنة والأمكنة، وتميزت بالواقعية، وراعت جميع أحوال الناس واحتياجاتهم وحقوقهم في شمول بديع، وعالمية لا نظير لها فى الشرائع، مشيرًا بأنه لا عجب أن علمت هذا من إباحة اللعب والترويح فى الإسلام إذا اعتبرت المصالح، واجتنبت المضار، مراعاة لنفوس الناس وطبائعهم التي تعمل العادة، وترغب دائما في تجديد النشاط النفسي والذهني والجسدي، مؤضحًا أنه مع هذه الإباحة والفسحة، لا ينبغي أن نغفل ما وضعه الشرع الشريف من ضوابط لممارسة الألعاب، يحافظ المرء من خلالها على دينه، ونفسه، وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، وماله، ووقته، وسلامته، وسلامة غيره.


وأوضح المركز أنه يمكن إجمال هذه الضوابط فى أن يكون اللعب نافعًا، تعود فائدته على النفس أو الذهن أو البدن، وألا يشغل عن واجب شرعي، كأداء الصلاة أو بر الوالدين، وألا يؤدي إلى إهدار الأوقات والأعمار، وألا يشغل عن واجب حياتي كطلب العلم النافع، والسعي في تحصيل الرزق، وتلبية حقوق الوالدين والزوجة والأولاد العاطفية والمالية وتقوية الروابط معهم، وألا يلحق الضرر والأذى بأحد بصوت أو فعل، كإيذاء الجيران مثلا، وألا يؤدي اللعب إلى خلافات وشقاقات ومنازعات، بجانب أن يخلو من الاختلاط المحرم، وكشف العورات التي حقها الستر، وأن يخلو من إيذاء الإنسان، لأنه مخلوق مكرم فلا تجوز إهانته بضرب وجهه - مثلًا - أو إلحاق الأذى به، وأن يخلو من إيذاء الحيوان، فقد أمرنا الإسلام بالإحسان إليه، وحرم تعذيبه وإيذاءه بدعوى اللعب والترويح، وألا يشتمل اللعب على مقامرة.

تحذير ضد الألعاب 

وبيَّن الأزهر للفتوى أن هذا في الألعاب عمومًا، واقعية وإلكترونية، ويزاد عليها إن كانت الألعاب إلكترونية ألا تشتمل الألعاب الإلكترونية على مخالفات عقدية كاحتوائها على أفكار إلحادية أو شعارات أديان أخرى، أو شعائر ومعتقدات تخالف عقيدة الإسلام الصحيحة، أو يكون بها إهانة مقدسات إسلامية بجعل هدايا على التقليل من شأنها أو تدميرها داخل اللعبة، وألا تشتمل على إباحية؛ من صور عارية، أو ممارسات شاذة، وألا تشتمل على فحش قول وسباب، وأصوات محرمة، وألا تنمي الميل إلى العنف لدى اللاعب، أو تحثه على الكراهية، أو ازدراء الأديان، أو إيذاء إنسان أو حيوان، أو تسول له جرائم، أو محرمات كشرب الخمر ولعب القمار وفعل الفواحش، بجانب ألا تؤذي اللاعب بدنيا كالألعاب التي تستوجب تركيزًا كبيرًا يؤدى إلى ضعف البصر، أو إيذاء الأعصاب.


وشدد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية على أن إباحة أي لعبة أو تحريمها متعلق بمراعاة هذه الضوابط، فإن روعيت جميعًا صار اللعب مباحا، وإن أهدرت أو أهدر أحدها صار في هذا اللعب من الحرام والإثم بقدر ما فيه من الشر وما أهدر من الضوابط، وأهاب المركز بالآباء والأمهات أن يحرصوا على تنشئة أولادهم تنشئة واعية سوية وسطية، وألا ينشغلوا بشيء عن إحسان تربيتهم وتعليمهم، وأن يقوهم مخاطر كثير من هذه الألعاب، مستشهدًا بحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته».

 

خطر الألعاب

كما قدم مركز الأزهر للفتوى الإلكترونية بعض النصائح التي تساعد أولياء الأمور في تحصين أولادهم من خطر هذه الألعاب، وتنشئتهم تنشئة واعية سوية وسطية، وهي، الحرص على متابعة الأبناء بصفة مستمرة على مدار الساعة، ومتابعة تطبيقات هواتف الأبناء، وعدم تركها بين أيديهم لفترات طويلة، وشغل أوقات فراغ الأبناء بما ينفعهم من تحصيل العلوم النافعة، والأنشطة الرياضية المختلفة، وتأكيد أهمية الوقت بالنسبة للشباب، وضرورة مشاركة الأبناء جميع جوانب حياتهم، مع توجيه النصح، وتقديم القدوة الصالحة لهم، بالإضافة إلى تنمية مهارات الأبناء، وتوظيفها فيما ينفعهم وينفع مجتمعهم، والاستفادة من إبداعاتهم، بجانب التشجيع الدائم للشباب على ما يقدمونه من أعمال إيجابية ولو كانت بسيطة من وجهة نظر الآباء، والتأكيد على منح الأبناء مساحة لتحقيق الذات، وتعزيز القدرات، وكسب الثقة.

كما طالب المركز أولياء الأمور بتدريب الأبناء على تحديد أهدافهم، وتحمل مسؤولياتهم، واختيار الأفضل لرسم مستقبلهم، والحث على المشاركة الفاعلة والواقعية في محيط الأسرة والمجتمع، بجانب تخير الرفقة الصالحة للأبناء، ومتابعتهم فى الدراسة من خلال التواصل المستمر مع معلميهم، والتنبيه على مخاطر استخدام الآلات الحادة التي يمكن أن تصيب الإنسان بأضرار جسدية في نفسه أو الآخرين، وصونه عن كل ما يؤذيه؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. والمسلم: من سلم الناس من لسانه ويده. والمجاهد: من جاهد نفسه في طاعة الله. والمهاجر: من هجر الخطايا والذنوب».

وكان آخر الجولات التي خاضها الأزهر الشريف في التحذير من الألعاب المسيئة للإسلام هو تحذيره من لعبة فورتنايت "Fortnite" بعد تكرر حوادث الكراهية والعنف والقتل والانتحار بسببها، وبسبب غيرها من الألعاب المشابهة لها في وقت سابق، موضحًا أنه ولما احتوت عليه هذه اللعبة من تجسيد لهدم الكعبة الشريفة - زادها الله بهاء ومهابة - بهدف الحصول على امتيازات داخل اللعبة، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر في عقيدة أبنائنا سلبًا، ويشوش مفاهيمهم وهويتهم، ويهون في أنفسهم من شأن مقدساتهم، وكعبتهم التي هي قبلة صلاتهم، ومطاف حجهم، ومحل البركات والنفحات، وأول بيت وضع للناس؛ لا سيما أن النشء والشباب هم أكثرية جمهور هذه اللعبة.


وكرر المركز تأكيده حرمة جميع الألعاب الإلكترونية التي تدعو للعنف أو تحتوي على أفكار خاطئة يقصد من خلالها تشويه العقيدة أو الشريعة أو ازدراء الدين، أو تدعو للفكر اللاديني، أو لامتهان المقدسات، أو للعنف، أو الكراهية، أو الإرهاب، أو إيذاء النفس، أو الغير، كما أهاب المركز بأولياء الأمور والجهات التثقيفية والتعليمية والإعلامية بيان خطر أمثال هذه الألعاب، وضررها البدني والنفسي والسلوكي والأسرى.

 

كلكم راع

من جانبها كشفت دار الإفتاء عن رأيها فى ممارسة الألعاب الإلكترونية والفيديو للأطفال، مؤكدة أنها مباحة إذا كانت مناسبة للمرحلة العمرية لمن يلعب بها، وأن تلك الألعاب تكون مباحة أيضا إذا كانت تساعد الطفل في تنمية الملكات أو توسعة القدرات الذهنية، أو للترويح عن النفس، كما ذكرت الإفتاء، شرط لممارسة الألعاب الإلكترونية والفيديو بأن لا يكون فيها قمار أو محظور شرعي، مع مراعاة أن يكون ذلك بتوجيهٍ ومراقبة من ولى الأمر لأبنائه.


كما حذرت دار الإفتاء، أولياء الأمور من ممارسة الأطفال للألعاب الإلكترونية دون رقابة عليهم، مشيرة إلى ضرورة مراقبة سلوك وأخلاق الطفل أثناء ممارسة هذه الألعاب، ومعرفة ما يجوز منها وما لا يجوز، مشيرة إلى أن ممارسة الألعاب الإلكترونية تكون جائزة شرعا إذا كانت تعود بالنفع على الطفل ولا تؤدي إلى وقوع الضرر عليه أو على مجتمعه".


وأوضحت الدار أن هذه الألعاب تكون محرمة إذا كانت تضر بالطفل وتؤثر في نفسيته وصحته وعقله، فتربى فيه العنف والعدوانية وحب ارتكاب الجرائم ضد مجتمعه وأوطانه، كما نصحت بضرورة الانتباه لخطر الألعاب الإلكترونية، واختيار ما يناسب الطفل منها على حسب عمرة وما يفيده، مؤكدا أنه يجب ألا تشتمل هذه الألعاب على أي محظور شرعي أو أخلاقي، قائلة: "ينبغي أيضا على ولي الأمر أن يراقب دائمًا سلوك وأخلاق الطفل أثناء ممارسة هذه الألعاب".

 

نقلًا عن العدد الورقي…،

الجريدة الرسمية