رئيس التحرير
عصام كامل

التفسير الديني لأحداث المنطقة

ما يحدث من صراع في المنطقة ليس مجرد استعمار واقتصاد وسياسية وعولمة وعلمانية وحداثة مقابل أصولية إسلامية.. بل هو إحياء علوم الدين وفق منظور صهيومسيحي.. فكما أن لدينا الغزالي الذي أسس في الإسلام لنظرية سلطة النص المقدس على العقل.. لدى الغرب أيضا نفس المشكلة. فالنخب البريطانية والأمريكية مأسورة ومأخوذة بأساطير العهد القديم وسردبات العهد الجديد.. وكان مشروع إقامة إسرائيل ليس لأسباب استعمارية بحتة بل لأسباب إنجيلية في الأساس!


وكل ما يقال عن صراع بين الحداثة والتخلف وبين القيم الغربية الراقية لا يعلم أن الأصولية الكنسية والأصولية اليهودية ملتصقة في ثنايا القرارات الاستعمارية في الشرق وخاصة في فلسطين.. وهكذا فإن الأساس الديني الذي يرجع إليه التبني الغربي للمشروع الصهيوني يعود إلى الاعتقاد بحق اليهود تاريخياً ودينياً في أرض فلسطين، استناداً إلى وعود توراتية لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وذرياتهم بتملك تلك الأرض، والإيمان بحتمية بناء (إسرائيل)، اعتماداً على نبوءات توراتية بشأن عودة بني إسرائيل إلى فلسطين بعد الشتات.

نبوءة عودة المسيح 
مع وجود جملة من التصورات الدينية المستمدة من النبوءات التوراتية التي تعتبر التجمع اليهودي في فلسطين شرطاً ضرورياً لعودة المسيح، وقول إنجيل يوحنا: "لأن الخلاص هو من اليهود" وهو ما يخلق قناعة ثابتة بأن وراء التبني الغربي للمشروع الصهيوني قناعات دينية راسخة بوجوب إنشاء إسرائيل ودعمها وحماية أمنها، وضمان بقائها واستمرارها..

إذا فإن الكنائس المتصهينة مشيدة بقوة في قلب مؤسسات الحكم هناك.. وهذه المؤسسات هي التي تصنع السياسات.. وتخوض الحروب الدينية وتكتب على الدولار (نحن نثق بالله).. وعلى الجنيه الإسترليني (الملكة اليزابيث الثانية بفضل من الله تحمي الإيمان).. وفي العرف البريطاني فإن الملكة هي حامية الكنيسة وليست حامية القيم الوطنية.

وكانت النسخة الرابعة من صفقة القرن عبارة عن أفكار لأربعة شياطين، من هؤلاء المؤمنين بالتفسير الديني للأحداث بخطة الديانة الابراهيمية المزعومة باختراع عقيدة جديدة لتمرير تلك الصفقة وهنا لابد من الحذر من مخططات الصهاينة.. الحرب بالوكالة وتحويل الصراع من صراع إسرائيلي عربي إلى سني شيعي . ثم صراع إيراني عربي، ثم لصراع سني سني بين داعش والجماعات الإرهابية وبين الحكومات العربية.

هلاك إسرائيل
أما الرؤية الاسلامية فقد حدثتنا سورة الإسراء أن الله سبحانه وتعالى قضى على بني إسرائيل أن يفسدوا في الأرض مرتين، وأنه سيسلط عليهم عقب كل إفساد من يسومهم سوء العذاب؛ فقال تعالى: {وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا 4 فَإذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا 5 ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا 6 إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا 7 عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}

وقد استقصى آراء المفسرين في ذلك وأدلتهم، ثم رجح «أن العباد الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الأول في الأرض هم جالوت وجنوده، كما يراه المحققون من أهل التفسير.. أما المراد بالعباد الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الثاني في الأرض، فيرى جمهور المفسرين أنهم البابليون بقيادة بختنصر.. وهذا الرأي الذي قاله جمهور المفسرين ليس ببعيد، لما ذكرنا من تنكيله [أي بختنصر] بهم..

إلا أننا نؤثر على هذا الرأي أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثاني هم الرومان بقيادة "تيطس".. وأجمع بعض المعاصرين  حول زمن الإفسادين أو الإفساد الثاني لبني إسرائيل، مدفوعين بالرغبة في تقرير أن القرآن يبشر بأن زوال إسرائيل واقع لا محالة؛ وأن الآيات الكريمة نبوءة قرآنية حتمية بتدمير المسلمين لدولة اليهود؛ حيث ذهب أكثرهم إلى أن الإفساد الأول مضى، وأن الإفساد الثاني هو الذي نعيشه الآن مع الاحتلال الصهيوني لبلاد فلسطين وما إقترن به من إفساد وإهلاك للحرث والنسل، وأن المسلمين هم الذين سيسوؤون وجوه اليهود، وسيدخلون المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة، وسيتبروا ما علا اليهود تتبيراً.
الجريدة الرسمية